• A String of Thoughts of Life, Death, and In Between


    A String of Thoughts of Life, Death, and In Between

    BY: Ahmed Salah Al-Mahdi

    لغز

    .كلما مشيت في شارع جديد لم أمْشِ فيه من قبل؛ أنظر إلى الشُّرفات والنوافذ وأتخيل كم الحَيَوات المختلفة والأسرار الكامنة وراء تلك النوافذ المُغلقة والستائر المُسدلة

    .تلك النوافذ البعيدة المضيئة في سكون الليل؛ أي أرواح ساهرة مجتمعة حول ذلك الضوء في فرح أو حزن؟ كأن كل بيت هو رواية تحمل بين دفتيها حكاياتٌ لأبطالٍ مجهولين

    .أتمنى لو أن لدي قدرة لكي أحيا حَيَواتٍ مختلفة في أزمنةٍ مختلفة، لكي تكتمل التجربة البشرية بداخلي، ربما حينها فقط أدرك مغزى الحياة البشرية

    أبدي

    أتعرف أننا خُلِقْنا من تراب النجوم؟ هذا الكون الفسيح بمجراته وسُدُمِه وشموسه وكواكبه لا يختلف كثيرًا عنك، فأنت جزءٌ منه وهو جزءٌ منك. لذا لا تَخَفْ من الموت، فعندما تموت ستحرر ذراتك وجزيئاتك من ذلك القيد المادي المسمى الجسد، وتحرر حتى من جاذبية الأرض، وترتحل بحرية عبر الفضاء السحيق اللامتناهي. قد يلتحم جزءٌ من ذراتك وعناصر بمُتَسَعِّر أعظم أثناء موت نجم وولادة نجم آخر، وتصير أنت حينها جزء من ذلك النجم. وبعد ملايين، أو بلايين السنين، سيقف شخص ما من حضارة أخرى على كوكب آخر وينظر ناحية السماء إلى النجم الذي صرت أنت جزء منه، ويقول لنفسه؛ أنا مخلوق من تراب النجوم، ذات يوم سأصير نجم مثله. أنت أبدي.

    موت

    ظننت أنني أعد خائفًا من الموت، ولكني أدركت أنني مرعوب منه. ما يفزعني أكثر هو أن أنسى بعد موتي.. أن أسقط في هوة العدم المظلمة اللانهائية.. أن أفقد فرصتي الوحيدة في الخلود؛ فأتشبث بالحياة كما يتشبث طفلٌ تائه بدميته؛ فهي دليله على أنه كان ينتمي لعالم، ويريد أن ينتمي إليه إلى الأبد.

    خلود

    هل يُمكنُ للرغبةِ في الخلودِ أنْ تَدفعَ بالإنسان لطلبِ المَوت؟

    الرغبةُ في الخلودِ هي التي كانتْ تَدفعُ العربُ للمبالغةِ في أشياءَ مثلَ الكرمِ والشهامةِ والشجاعةِ. الإقدامُ وعدمُ الفرارِ مِنَ المعارك، لكي يذكرَ الناسُ اسمَكَ بعدَ موتِكَ، لكيلا يمحوه النسيانُ وتَعاقُبُ الأيام.

    الخلودُ هنا هو خلودٌ معنويٌ لا حسي، فسيذكرُ الناسُ أنَّ فُلانًا كانَ شُجاعًا، وفُلانًا كانَ كَريمًا، كشجاعةِ عنترة بن شداد، وكرمِ حاتم الطائي.

    أحيانًا أُفكِّر أنَّ هذه الرغبةَ في الخلودِ هي ما تدفعُني للكتابة، لكيلا أُنسى بعدَ مَوتي، لكي تَبقى كتاباتي أثرًا شاهدًا على حياتي الخاطفةِ في عُمْرِ هذا الكونِ السَّرْمَديّ، أن يَجلسَ شَخصٌ في زمنٍ آخر، في بلدةٍ أخرى ليقرَأَ كتاباتي، أو لعلَّهُ في كوكبٍ آخرَ في المستقبلِ البعيدِ.

    ولكنْ هل الخلودُ المَعنوي حقيقي؟ الكون في حالة إنتروبيا أو قصورٍ حراري؛ ففي النهاية ستبردُ النُّجوم، وتُظلمُ الشموس، وتتحوَّلُ الكواكبُ إلى صخورٍ مُظلمةٍ باردةٍ بلا أثرٍ للحياة، ويتحوَّلُ الكونُ إلى مقبرةٍ صامتة، حينها لَنْ تَبقى شجاعةُ العربِ ولا أشعارُهم، ولَنْ تبقى كتاباتٌ مَنْ كَتَب، ولا أثرٌ واحدٌ لكائنٍ مَنْ كان. سيتساوى جميعُ البشرِ أخيرًا.

     

    لغز آخر

    صباحٌ رماديٌّ آخر، ليلةٌ أخرى لم تقدر فيها على النوم، أفكارك تطاردك كأشباح لزجة لا تقدر على الهرب منها، وكلما حاولت التملص منها ازدادت بك التصاقًا. مرةً أخرى تنظر نحو الأفق وتسأل نفسك ما الذي أفعله هنا؟ من بين الـ 700 كوانتليون كوكب في الكون الفسيح ولدت على هذا الكوكب، ومن بين كل الأزمنة التي تعاقبت على الأرض عبر 4.5 بليون سنة ولدت في هذا الزمن؛ أهي مصادفة؟ أم لعل هناك سرًّا ما خفيًا قد جلبك إلى الوجود من العدم؟

    يرتد بصرك من الأفق البعيد إلى الشارع المزدحم القريب وتنظر إلى الوجوه المتشابهة، والأكتاف المتدافعة تشق طريقها عبر الزحام، مندفعة رغمًا عنها عبر التيار المتدفق أبدًا من الحياة إلى الموت، وتسأل نفسك: هل كل واحد منهم صدفةٌ أخرى أم سرٌّ آخر؟

    أرق

    اللَيْلُ عَدُوُّ الحَزِين والوَحِيد والمَهْمُوم.

    قَالوا قَدِيمًا: ” إنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الغَنَمِ القَاصِيَةَ “، أيّ أنَّ الذِّئْبَ يَتَربْصُ بقَطِيع الشَاه مُتَحَيّنًا الفُرْصَة، حَتْى إذا تَخلف إحْداها عَن القَطيع انْقَض عَليه الذِّئْب وافْتَرسه.

    وكذلك الحُزْن الذي يَجُوب نَفْسَ المَرْءِ، مُتَربصًا بِه فِي ثَنَايا عقله المُظْلِمَة، مُخْتَبِئًا مِنْ ضَوْءِ النَّهَار، تَطْغَى عَليه الأصْوَات المُتَداخِلة وحَرَكة تَيَّار الحَياة المُتَدَفِّق، فلا يَلْتَفِت المَرْءُ إليه أو يَشْعر بوجُوده.

    حَتْى إذا جَنَّ اللَيْلُ وبَسَطَ رِدَاءه القَاتِمَ المُدْلَهِمَّ على المَوْجُودات، وخَمَدت الحَرَكات وسَكَنت الأصْوات، وخَلَا المَرْءُ بنَفْسِه؛ بَزَغ له الحُزْنُ المُحْدِقُ مِن تُخُومِ اللَاوَعْيّ مُكَشِّرًا عَن أنَيَابِه، فلا يَكُون ثَمَّة مَن يُنْقِذَه مِنه، بَلْ هو كمَنْ سَقَط فِي دَوَّامَةٍ سَوْدَاءَ مِن رِمالٍ مُتَحَرِّكَة، كُلَّمَا حَاوَل انْتِشَال نَفْسِه مِنْها يَزْدَادُ غَرقًا.

    لا أَحَدٌ هُنَا ليَسْمَعُ صُرَاخَه المَكْتُوم في ظُلْمَةِ اللَيْلِ البهيم، أو ليَرى الحُزْنَ جَاثِمًا عَلى صَدْرِه مُنْتَهِزًا وَحِدَته، قَابِضًا على قَلْبِه بمَخَالِبه السَّوْدَاء.

    فلا يَجِدُ مَخْرَجًا أو مَهْرَبًا، سُوَى الاسْتِسْلام… والغَرَق… في ظُلْمَة الْكَآبَةِ الحَالِكَة.

    نوستالجيا

    النوستالجيا، أو الحنين إلى الماضي، هو ذلك الإحساس الذي ينتابك حين تتذكر لحظات من طفولتك، إنها مزيجٌ عجيب من السعادة والحزن في آنٍ واحد؛ السعادة لأنك قد عشت تلك اللحظة، والحزن لأنك لن تستطيع عيشها أبدًا مرةً أخرى.

    عندما ينتابك هذا الشعور تجد نفسك تفتش عن ماضيك الضائع، ربما هي أغنية سمعتها في طفولتك، مقدمة الكارتون المفضل الذي كنت تحبه، أو لعبة ـ فيديو جيم ـ لعبتها على ذلك الجهاز السحري المسمى أتاري، أو لعلها صورًا قديمة لك ولأحبائك، قد بهتت ألوان طباعتها بمرور الزمن.

    ترى هل تحن إلى طفولتك، أم إلى زمنٍ فات كنت فيه خالي البال، ربما بدت هموم الدنيا بعيدة ذلك الوقت، لا تحدق بك من كل حدبٍ وصوب، ففي نهاية الأمر هناك من ستلقي عليه كل همومك وأعبائك، لن تقلق، ولن تتألم.

    وكلما مر الوقت وأنت غارق في النوستالجيا متصفحًا أوراق الزمن القديمة الصفراء المغبرة، أحسست بقلبك ينفطر ما بين البهجة الغامرة والألم الخانق، ولكن لسببٍ ما لا تستطيع أن تتوقف، أو أن تنتشل نفسك من هذا الإحساس الذي غمرت نفسك فيه.

    ملاك الموت

    .يُسِيء الناسُ فِهْمَ مَلَاكَ المَوْتِ… هو لا يَقْتُلَك؛ بَلْ يَصْحَبُكَ فِي رِحْلَتَك إلى العَالمِ الآخَر، لكَيْلا تَخْطَو عَبْرَ البَرْزَخِ وَحِيدًا

    نبي

    البشر هم أسوء عدو لنفسهم، ابتكروا لأنفسهم الألقاب والطبقات الاجتماعية ليسود القوي على الضعيف، وتتراكم الثروات في أيدي قلةٍ منهم، بينما يُخْضِعُون بقية البشر لهم بالسياط، أو يلقون بهم في أتون الحرب تحت شعارات بَرَّاقَةٍ عدة لجلب المزيد من الثروات للسادة، وغالبا ما يختبئ السادة وراء ستار الدين، هم ظل السماء في الأرض، وما يفعلونه هي المشيئة الإلهية.

    حينها يظهر دين جديد يأخذ جانب الضعفاء والفقراء والمضطهدين، ويحاول هدم الأفكار الراكدة البالية للطبقات الحاكمة ودينهم الزائف الظالم، فيحاربه النبلاء وأصحاب السلطة حربٌ ضروس، مدافعين عن دينهم ودَيْدَنهم الذي يتيح لهم التَسَيُّد والتَجَبُّر، ولكن غالبا ما يخسر دينهم القديم في وجه الدين الجديد، لأن هؤلاء الذين يشتمون رائحة الحرية يمسون على استعداد للتضحية بحياتهم من أجلها، فتصير الحياة من دون حرية والموت دونها سواء.

    إذا أحس النبلاء بقرب هزيمتهم، يحنون رؤوسهم للريح، ويعتنقون بدورهم الدين الجديد، تائبين عن ذنوبهم القديمة، ويقفون مجبرين على قدم المساواة مع من كانوا يضطهدونهم، النبلاء بجانب الفقراء، والسادة بجانب العبيد. ثم يلتف النبلاء حول الدين الجديد، فيصيرون هم سادة الدين، وهم من يضعون قوانينه وتشريعاته، ويبثون سمهم القديم في العسل الجديد، وتدور دائرة الزمان ليصير السادة سادة، والعبيد عبيد، كأن شيئًا لم يتغير.

    حتى يظهر الدين الجديد التالي…

    عزيزي الكائن الفضائي

    عزيزي الكائن الفضائي، أعلم أنك تنظر إلى كوكبنا الآن بتعجب أو لعله بغيظٍ أيضًا، لا شك أن تشاهد الحروب والأوبئة وظلم الكائنات البشرية لبعضها البعض أو للأجناس الأخرى التي تشاركنا الحياة على هذا الكوكب فتمقتنا، ولكني أود أن أقول لك أننا لسنا جميعًا بمثل هذا السوء، هناك في الخفاء ما يزال يوجد من يمدون يد العون للضعفاء، هناك من يدفئ قطة مسكينة في ليلة باردة، ومن يمنح الطعام لحيوانٍ متشرد.

    عزيزي الكائن الفضائي أعلم أن صورة كوكبنا الآن قاتمة في نظرك، ولكن صدقني وسط كل هذا الظلام لا يزال يوجد بصيص نور، بعض الخير في أمواج الشر المتلاطمة.

    ربما تمنيتُ كثيرًا أن أغادر هذا الكوكب وأرحل إلى كوكب غيره ولكني أحيانًا أنظر أرى نظرة أمٍ إلى طفلها، أو أخٍ إلى أخيه الأصغر، أحيانًا أشعر بنسمة باردة في ليلة صيف، أو لحظات دفءٍ في ليلة شتاء، فأشعر حينها أن باستطاعتي احتضان هذا الكوكب بأكمله.

    عزيزي الكائن الفضائي، أعلم أن الكائن البشري بالنسبة لك معقد لا يمكن فهمه، ولكننا نتعلم وننضج، ما تزال البشرية طفلًا يحبو في هذا الفضاء الشاسع، ويومًا سنكون جنسًا عاقلًا يستحق مكانته بين أشكال الحياة الأخرى في أرجاء الكون الفسيح.

    المرشح العظيم

    البشرية على وشك أن تواجه المرشح العظيم الأخير؛ مرشح الحرب العظمة المدمرة. إما سنتجاوزه كجنس مسالم وقوي، ومستعد لغزة المجرة، أو سنهلك وننقرض، تاركين الأرض صخرة ميتة في الفضاء الشاسع اللانهائي.

    الطبيعة الأم

    أعتقد أن الطبيعة الأم تندم على منح هذا النوع من الذكاء المعقد لجنسنا المتطور بعد ما فعلناه بها. ولكن لحسن حظها نحن نبذل قصارى جهدنا لتدمير أنفسنا.

    متعب

    أنَا مُتْعَبٌ كَنَجْمٍ عَتِيق؛ شَهَدَ إنْبِثَاقَ الكَوْنِ، ومَلَّ مِن الوُجُودِ.

    غروب

    وما زال الغروب يثير في قلبي حنين لعوالم لا أعرفها وقد لا أعرفها.